العلامة المجلسي
118
بحار الأنوار
وساكنها [ مغترب ] بين أهل عمارة موحشين ، وأهل محلة متشاغلين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الجيران والاخوان ، على ما بينهم من قرب الجوار ، ودنو الدار . وكيف يكون بينهم تواصل ؟ وقد طحنهم بكلكه البلى ، وأكلتهم الجنادل والثرى ، فأصبحوا بعد الحياة أمواتا ، وبعد غضارة العيش رفاتا ، فجع بهم الأحباب وسكنوا التراب ، وظعنوا فليس لهم إياب ، هيهات هيهات ، إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون . فكأن قد صرتم إلى ما صاروا إليه من البلى ، والوحدة في المثوى ، وارتهنتم في ذلك المضجع ، وضمكم ذلك المستودع ، فكيف بكم لو قد تناهت الأمور ، وبعثرت القبور ، وحصل ما في الصدور ، ووقفتم للتحصيل بين يدي ملك جليل ، فطارت القلوب لاشفاقها من سالف الذنوب ، وهتكت عنكم الحجب والأستار ، وظهرت منكم العيوب والاسرار ، هنالك تجزى كل نفس بما كسبت . إن الله عز وجل يقول : " ليجزي الذين آمنوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى " ( 1 ) وقال : " ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا " ( 1 ) . جعلنا الله وإياكم عاملين بكتابه ، متبعين لأوليائه ، حتى يحلنا وإياكم دار المقامة من فضله ، إنه حميد مجيد . وقال عليه السلام : أنظروا إلى الدنيا نظر الزاهدين فيها ، فإنها والله عن قليل تزيل الثاوي الساكن ، وتفجع المترف الامن ، لا يرجع ما تولى عنها فأدبر ، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر ، سرورها مشوب بالحزن ، وآخر الحياة فيها إلى الضعف والوهن ، فلا يغرنكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلة ما يصحبكم منها .
--> ( 1 ) النجم : 31 . ( 2 ) الكهف : 46 .